هشام جعيط

242

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

يجانبوا المدينة من الخارج للوصول إلى المركز واستهداف القصر ؛ إنه فعلا تحول حقيقي من الشرق ( كما أراده ماسينيون طبق مخططه ) أو من الشمال الشرقي إلى الغرب أو إلى الجنوب الغربي ، من السبخة إلى الكناسة ، كأن هاتين البقعتين الواسعتين الخاليتين المحيطتين كانتا تتواجهان وتشكلان في كل حال المعابر الأصلية للدخول إلى المركز ، الذي منه ينطلق محوران أساسيان . أحاط المختار بالكوفة وكذلك إبراهيم ، على حد أقصى دور المدينة ومر بالشمال . فتوجه حشد من حشود الوالي إلى طريق همدان ( سكة ثور ) « 1 » لقطع الطريق من الشمال إلى الجنوب محاذيا المكان الذي سيبنى فيه لاحقا مصلى في العراء - بناه القسري ( 105 - 120 ) وكان يقع دون شك في خطة بجيلة . هناك اتفاق إذن مع المخطط الذي وضع بالاعتماد على ما قاله سيف لكن المشاكل تواجهنا قبل هذه المرحلة ومباشرة بعد معركة السبخة : لقد مر المختار فعلا بالجبانة « 2 » التي سميت على هذا النحو وتعرت من كل صفة . والمرجح أنها عرفت بالثوية التي هي جبانة قريش وثقيف وأهل المدينة بصفة عامة . والظاهر أنها كانت تقع في أقصى شمالي الشمال الشرقي من الكوفة في طرف الخطط . وغير بعيد عن ذلك ، وإلى جوارها ، ها نحن قد بلغنا دور مزينة وأحمس وبارق « 3 » وعنها يقول أبو مخنف : « وبيوتهم شاذة منفردة من بيوت أهل الكوفة » « 4 » . هذه جملة لا شك أنها تطرح علينا مشكلا . فهي في البداية تناقض تصور سيف في أكثر من نقطة إذ يمكن القطع بأن مزينة كانت تقيم في اتجاه الشمال قليلا « 5 » لكنهم بقوا في الشرق ، تفصل خطط سليم وثقيف وهمدان بينهم وبين بجيلة وإليها تنتسب عشيرة أحمس . وما عسانا نقول في بارق وهم من الأزد ؟ من هنا ينبغي تحديد مقامهم اعتمادا على سيف أيضا في الجنوب أو الجنوب الشرقي كما هو مرجح « 6 » . لكنّ الثابت أن اليعقوبي أكد قائلا « 7 » : « انتقلت عامة أحمس عن جرير بن عبد اللّه إلى الجبانة » . ومع أن خبره اندمج في رواية خاطئة من بعض الوجوه فلا يبدو أنها مستمدة من تأويل لرواية أبي مخنف ، علما أن مشكل بارق يبقى قائما ، ولا شيء يؤكد أنهم انفصلوا عن بقية الأزد ، كما

--> ( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 29 . هذه إشارة فريدة تجيز لنا التأكيد أنه اتجه إلى الشمال . ( 2 ) الطبري ، ج 6 ، ص 28 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 28 . كانت بارق عشيرة مهمة من الأزد . لماذا كانت موجودة في أقصى الشمال الشرقي ؟ الحق أن بارقا كانت أيضا عشيرة صغرى حميرية اندمجت في همدان باسم ذي بارق : الطبقات ، ج 6 ص 247 ؛ وقد وصفها خبر ورد في أنساب الأشراف ، قسم 4 ، ج 1 ، ص 256 ، فقال إنها مجرد « مكان على طريق الكوفة » ، أي أنه طرفي وغير ملحق بعشيرة . ( 4 ) المرجع نفسه ، ص 28 . ( 5 ) هذا ما فعله ماسينيون على خريطته حيث وضعهم إلى الشمال تماما . ( 6 ) أو إلى غربي الشمال الغربي لأن الأزد أقاموا في خطة بجلة - بجالة ، كما سيأتي ذكره . ( 7 ) كتاب البلدان ، ص 311 .